خطـــاب
السيد عمار سعداني
رئيس المجلس الشعبي الوطني
في مراسم افتتاح دورة المجلس الشعبي الوطني الخريفية 2006
الجزائر في 03 سبتمبر 2006
بسم الله الرحمان الرحيم،
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين،
السيد رئيس مجلس الأمة،
السيد رئيس الحكومة،
السادة وزراء الدولة ،
السيدات والسادة الوزراء،
السادة النواب، زملائي الأعزاء،
السيدات والسادة ممثلو أسرة الإعلام،
ضيوفنا الكرام،
أيتها السيدات، أيها السادة،
يتضمّن جدول أعمال هذا المجلس الموقّر بالنسبة لآخر دورة خريفية من عمر الفترة
التشريعية الخامسة، ملفات غاية في الأهمية لمواصلة الإصلاحات المسطرة في برنامج
فخامة السيد رئيس الجمهورية، وغرفة البرلمان الأولى التي تعتزم الاضطلاع بكامل
المهام المخولة لها بموجب الدستور إلى غاية انقضاء عهدتها، ستبقى تعمل وتسهر على
الخروج بنصوص تشريعية مطابقة في روحها وحرفها للبرنامج الرئاسي.
فزيادة على النصوص الأربعة التي بلغت دراستها مرحلة متقدّمة خلال الدورة المنصرمة،
ويتعلّق الأمر تحديدا بمشاريع القوانين المتعلّقة بقانون العقوبات، وقانون
الإجراءات الجزائية، وتدابير تشجيع ودعم ترقية التشغيل، وإحداث إجراء لمعاينة حق
الملكية العقارية وتسليم سندات الملكية عن طريق تحقيق عقاري، تمّ إيداع سبعة مشاريع
قوانين لدى مكتب المجلس الشعبي الوطني إلى يومنا هذا، تتناول بالمعالجة مسائل جدّ
هامّة كالقانون الأساسي للوظيفة العمومية، وتطوير الاستثمار، وحماية الصحة
وترقيتها، ومكافحة التهريب، وحماية بعض الأنواع الحيوانية المهدّدة بالانقراض
والمحافظة عليها، وقانون المالية التكميلي لسنة 2006.
هذا، وإذا ما أضفنا إلى هذه الملفات الإحدى عشر التي ستبدأ أو ستتواصل دراستها بدءا
من الغد، عدّة مشاريع أخرى تكتسي نفس الطابع الحساس ينتظر إيداعها لدى مكتب المجلس
خلال هذه الدورة، بما فيها قانون المالية التقليدي لعام 2007، فإن جدول أعمال
الغرفة الأولى في الفترة الممتدة من سبتمبر 2006 إلى يناير 2007، سيضمّ إجمالا ما
لا يقلّ عن 20 مشروع نص بين تلك المدرجة أو التي ستسجّل فيه لاحقا.
إنّني أعتمد مجدّدا، من أجل التشريع حول كافة الملفات المطروحة أو التي ستطرح على
نظرنا، على كل الموهبة والاحترافية اللّتين عوّدنا عليهما ممثلو الشعب الموقرون
الحاضرون هنا، ومن هذه المنصّة، أعرب عن كلّ الاعتزاز الذي أشعر به لهذا الحس
الرّفيع بالمصلحة الوطنية الذي ميّزهم دوما، وعن ارتياحي لما أبدوه من تمسّك ووفاء
للبرنامج الذي زكّاه الشعب يوم 8 أبريل 2004، ومن قدرة على تجاوز الاختلافات
السياسية، بدحضهم العقائد المتطرّفة وترجيحهم قوّة الأفكار، والتزامهم المستمر
بترقية الحكم الراشد في بُعده التشريعي.
أيتها السيدات، أيها السادة،
إلى جانب الدخول المدرسي الذي سيشهد يوم السبت بمشيئته تعالى، إلتحاق ما يربو عن 7
ملايين من أبنائنا بمقاعد الدراسة، والدخول الاجتماعي الذي سيشهد هو الآخر استئناف
الحوار الاجتماعي والتشاور في إطار الثنائية والثلاثية، مع تمنياتنا بأن يكلّل هذا
الحوار بالثمار المرجوة، فإن الجزائر تتأهّب لثلاث محطّات سياسية كبرى خلال الأشهر
الأربعة عشر المقبلة: التعديل الدستوري الذي سيطرح على الشعب قبل انقضاء السنة
الجارية، والانتخابات التشريعية المقبلة وكذا الانتخابات المحلية التي ستجري بحر
عام 2007.
وبغضّ النظر عن الواجب الذي يقع علينا جميعا، واجب تعبئة الأمّة قاطبة وحشدها
وتحضيرها لهذه الاستحقاقات لضمان نجاحها، فإن الجزائر صارت اليوم في وضعية تنموية
مغايرة لما كانت عليه سابقا، و قلّما عاشتها في تاريخها التنموي، ومن أجل وضع كافة
شروط النجاح على موعد مع طموحاتها التنموية، فإن الجزائر تتوفّر اليوم على مؤهلات
وامتيازات لا يضاهيها فيها أي بلد من بلدان القارة الإفريقية، فالجزائر التي سدّدت
وتواصل تسديد جزء هام من مديونتها الخارجية، وتقليص خدمة المديونية بالتوازي، بات
في وسعها الاعتماد على توقعات معقولة من حيث المداخيل المالية الخارجية، وهي توقعات
لن تتأثر على نحو خطير بالتقلّبات التي قد يعرفها الظرف الدولي على الأمدين القصير
والمتوسط في مجال النفط والغاز، والجزائر تتوفّر على شبكة كثيفة من المنشآت
القاعدية، شبكة نعرف أنها فريدة على نطاق القارة الإفريقية حتى وإن كان شركاؤنا
الأجانب غالبا ما يجهلون توفرها.
والجزائر تزخر أيضا بمصادر معتبرة في مجال الطاقة والمناجم والصيد البحري، وهي
تتربّع على مساحة شاسعة لا تحتاج سوى إلى توزيع السكان عليها على نحو أمثل، وتتوفر
على منظومة قوية في حقل التعليم العالي والتكوين، وهي منظومة، وإن كانت لها قدرات
تؤهلها لتحسين الأداء، فإنّها تزوّد سوق الشغل بحوالي 200.000 متخرّجا جديدا كلّ
سنة، والجزائر باشرت أيضا ورشات إصلاحية في العديد من الميادين، إصلاحات تتميّز
بالشجاعة والطموح وبأنها تحمل وعودا مشرقة، وبات البعض من هذه الإصلاحات يطرح ثماره
على أرض الواقع، وإطارات الجزائر يتمتّعون برصيد من الخبرة عمرها عقود، خبرة نجحوا
في استجماعها طوال مسار التنمية الوطنية الشاق، وهي تفتخر بما حقّقته من إنجازات
هامة على الجبهتين الاجتماعية والاقتصادية برغم الأخطاء التي ارتكبت والتي لن تقع
فيها مستقبلا، واستخلصت الدروس والعبر من الأزمة متعدّدة الأشكال التي مرّت بها،
والجزائر شيّدت مؤسسات سياسية جمهورية تحطّمت عند عتباتها دوامة السنين الصعاب، وهي
تسير تحت قيادة رئيس يميّزه الحماس والنشاط وروح الانفتاح على العصرنة، رئيس مكّنت
الإرادة السياسية القوية التي تحذوه من توجيه الأمة نحو الدرب الصحيح، رئيس وفّى
بالوعد الذي قطعه على نفسه باستعادة السلم للبلاد والأمن للبيوت، بفضل التدابير
التي جاء بها ميثاق السلم والمصالحة والنصوص المتخذة لتطبيقه، رئيس عمل دون هوادة
ولا كلل من أجل تكسير الطابوهات، الواحد تلو الآخر،تلك الطابوهات التي كانت تكبح
رغبة البلاد في الانطلاق نحو التقدّم والازدهار، رئيس تشكّل الشرعية القوية التي
يتمتّع بها مؤهلا قويا لتطويق كافّة النَّزَعات الراغبة في إبقاء البلاد في دائرة
السكون أو المحافظة الخاطئة، رئيس يتمتّع اليوم بثقة كاملة لدى المواطنين وباحترام
كبير لدى عظماء هذا العالم.
فكافة مؤهلات النجاح هذه بتضافرها هي التي تؤسس لأغلى ما لنا من أمنيات وآمال بأن
تتحقّق طموحاتنا إلى جزائر تنعم بالسعادة والرّقي، ويقع علينا نحن واجب تخصيب هذه
المؤهلات بشجاعة ودون انتظار، واستخلاص من مُحَصُّلتها كلّ ما تنطوي عليه من منافع،
فأجيال المستقبل لن تغفر لنا إن نحن لم نتجرّأ إلاّ على القليل في الوقت الذي كان
بوسعنا تحقيق الكثير بفضل المؤهلات الهائلة التي بين أيدينا.
ومن موقعنا كبرلمانيين، من واجبنا أن نتساءل لمعرفة ما هي كبريات التحدّيات التي
ستواجهها الجزائر غدا، وكيف يتوجّب علينا إعداد الأمة لرفع هذه التحديات، وما هي
المبادئ والاستراتيجيات والمساعي التضافرية التي ينبغي أن توّجه العمل الحكومي
والبرلماني من أجل بلورة الإشكاليات التي تطرحها هذه التحديات.
هناك خمسة تحدّيات تكتسي بالغ الأهمية في نظري، يجب أن تستقطب اهتمام الحكومة
والبرلمان معا :
1. ما هي الأسس الواجب توفيرها والكفيلة بتعزيز الدولة الجزائرية في إطار الدستور الجديد ؟
فلأن إصدار دستور 1996 جاء في خضمّ تلك الظروف العصيبة من تاريخنا، بات من الضروري الذهاب بأمّتنا إلى قانون أساسي يتميّز بالديمومة من الزاوية الزمنية والسياسية، من خلال إجراء العصرنة الضرورية والعميقة على هياكلنا المؤسساتية، الأمر الذي يفترض توسيع مسعى إعادة التأسيس الذي خاضه رئيس الجمهورية ليشمل قواعد التنظيم القانوني للدولة الجزائرية مثلما هي مكرّسة في العديد من أحكام قانوننا الأساسي.
2. ما هي العوامل الناجعة التي يجب أن تتضافر للإسهام في ترسيخ ثقافة الحكم الراشد في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟
3. ما هي السبل التي تكفل تخصيب قدرات الاستثمار الوطني والدولي الهائلة التي تزخر بها الجزائر، وكيف يمكن تحرير المبادرة الخاصة وما هو السبيل لتحقيق تنافسية قطاعنا الاقتصادي ضمن السياق المغاربي والجنوب أوروبي، من أجل ضمان الديمومة للنمو الحاصل اليوم والمدعّم بالاستثمارات الكثيفة للدولة دون سواها ومن أجل تطوير الشغل ومن ثمّة ضمان توفّره دون اللّجوء المفرط إلى العمل المؤقت، لاسيما وأنّنا ندرك الإكراهات التي يفرضها التقسيم الدولي الجديد للعمل، ونعرف أيضا شدّة التنافس التي تميّز محيط اقتصادنا على الصعيد الجهوي ؟
4. ما هي السبل الكفيلة بتسريع وتيرة إصلاح المؤسسات المالية والمصرفية والتي هي ، وأؤكّده اليوم مجدّدا، إحدى الإصلاحات الواجب مباشرتها بصورة مستعجلة، بالنظر إلى الوظيفة المحورية التوزيعية الفريدة التي يؤديها هذا القطاع الحساس الذي يرتبط به الاقتصاد وبالتالي السير الحسن للمجتمع، من حيث أن مهمّة هذا القطاع هي تخصيب الإبداع الإنساني وروح المبادرة وتثمين عبقرية الجزائريين والجزائريات الخلاّقة، ومواكبة المواطن في مشاريع حياته ؟
5. ما هي السبل الكفيلة بالتوفيق بين الانفتاح اللّيبرالي الضروري والمستعجل للاقتصاد الجزائري والقيم الاجتماعية التي يتمسّك بها مواطنونا شديد التمسّك، وكيف يمكننا بالأخص أن نتفادى بقاء الملايين من أبناء وطنا على هامش الرّقي المنشود، كما هو الحال في العديد من البلدان التي مرّت اقتصادياتها بمرحلة انتقالية ؟ وما هي السبل التي تكفل إعادة الاعتبار للمصالح العمومية الكبرى، بل تضمن تطويرها وترقيتها، دون أن يفرض ذلك التنازل عنها بالأثمان البخسة أو تحويلها عن مهامها الأصلية، أو التضحية بها باسم المردودية أو لاعتبارات متّصلة بنتائج الأداء أو لمقتضيات تجارية أو غيرها من المقتضيات التي تمليها الليبرالية العصرية ؟
إن إيجاد الحلول المناسبة لهذه التحديات واجب ومسؤولية يقعان على عاتق الجميع، وعلى
أيّة حال، فإن الحكومة والبرلمان أمام مجال واسع ومثير من التفكير والعمل، والسبيل
الذي سيمكّننا من بلوغ أهدافنا مثله مثل الوتيرة التي سنعتمدها يكتسيان الأهمية
نفسها التي تكتسيها الغاية التي ننشدها.
ذلك لأن الأمور اليوم صارت لا تنحصر في مجرّد ضمان التربية والتكوين على نطاق واسع،
كما كان الحال دوما باسم دَمَقرطة المعرفة، ولا في ضمان السكن لأكبر عدد من الأسر،
وكفل العلاج للمواطنين حتى في المناطق النائية من ترابنا، ولا ضمان التزوّد بالماء
والكهرباء والغاز والاتصالات و النقل وفك العزلة عن كافة مناطقنا، ومساعدة أكبر عدد
من المحتاجين، بدءا بالأكثر عوز منهم، وتقديم العون للشرائح الأكثر حرمانا.
فالأهمّ اليوم هو الدّفع بالبلاد على سكّة التقدّم الكوني في أحدث أشكاله وأكثرها
ابتكارا، من خلال مبادرات تندرج ضمن منطق الدّيمومة، وتستلهم من أنجع ما يتحقّق في
بلدان أخرى، لأن اللِّحاق بركب التقدّم وتفادي تعميق الهوّة بيننا وبين العالم
المتقدّم في الحياة اليومية هو حق للمواطن وواجب دستوري يقع على عاتق الدولة.
والمهمّ أيضا هو ترقية نوعية الحياة، من خلال إدراج، ضمن انشغالاتنا الأولوية،
تحسين الإطار المعيشي للمواطن، وإدماج البعد البيئي في كلّ ما نبادر به من مشاريع.
فالمجهود المبذول من ناحية الكم لا يعفينا من المجهود النوعي، و مفهوم دَمَقْرَطة
التقدّم في هذا القرن الواحد والعشرين لم يعُد ينحصر في استفادة شرائح واسعة من هذا
التقدّم فحسب، بل صار مرادفا لنوعية الخدمات المقدّمة للمواطن في إطار حكم يُحدِث
القطيعة مع ذلك المنطق الذي يجعل السلطة تقوم بدور المُسعف للمواطنين، حكم يكرّس
التقسيم المعقول للتكاليف بين الدولة والمواطن.
وجوهر الأمور اليوم لم يعد ينحصر في أداء ما علينا فحسب، بل إتقان ما نقوم به،
وأكثر من ذلك، تحسين ما نقوم به.
ومن هذا المنظور، لم يعد هناك اليوم حيّز للاختلافات الإيديولوجية التقليدية بين
سياسة ليبرالية يمينية وسياسة اجتماعية أو اشتراكية يسارية، لم يبق هناك، أو
بالأحرى لم يبق إلاّ القليل ممّا يصنع الفرق بين سياسة يمينية وسياسة يسارية،
بالمعنى الذي يعطيه أصحاب النظريات وعلماء السياسة منذ قرن لهذين المفهومين . وعلى
عكس ذلك، قد تكون هناك، بل بالتأكيد أن هناك سياسة حكيمة وسوية وأخرى خاطئة وغير
مُجدية، ويبقى الحكم الراشد هو المعيار الوحيد الذي يصنع الفرق بين السياستين، لأن
الواقع يثبت أن السياسة اليمينية التي اكتسبت على مرّ السنين وبقوّة النضالات، وجها
اجتماعيا، والسياسة اليسارية التي أَدمَجت تدريجيا بعضا من المقاربات اللّيبرالية،
صارتا تلتقيان في ميدان واحد مُعلَّمٍ بخط واحد هو الحكم الراشد.
إن المجلس الشعبي الوطني، بوصفه هيئة تتمتّع بالديمومة، وتحتلّ الموقع المحدّد لها
دستوريا، ومهما كانت تشكيلته، اليوم أو غدا، سيكون في الموعد مع الرّهانات التي
يتوقّف عليها مستقبل الأمّة، وهو عازم على تقديم الحلول التشريعية الأكثر ملاءمة
لإشكاليات الساعة، في امتداد ما ستقوم به الحكومة من مبادرات.
أيتها السيدات، أيها السادة،
إن الأحداث المأساوية في لبنان، وفي قطاع غزّة وفي غيرها من الأراضي المحتلة أو
التي أعيد احتلالها، لتحمل بصمات إبادة حقيقية لسكان أبرياء، وحرب شاملة ضدّ شعوب
وضدّ ممثليهم المنتخبين بكلّ ديمقراطية وحكوماتهم الشرعية.
إن الجزائر التي تعتبر أن لبنان شرّف الأمة العربية قاطبة بصموده البطولي في وجه
المعتدي والتي تساند مساندة كاملة الحكومة اللبنانية في القرار الذي اتخذته
بالموافقة على اللائحة 1701 لمجلس الأمن الأممي، ترى في نفس الوقت أنّه من الصعب
إحلال سلام دائم إذا ما تولّد الحقد ليصاحب الموت والدمار والخراب التي عاشها
المُعتَدَى عليه، ذلك الحقد الذي قد يتولّد في هذا البلد الشقيق بِفعل ما قد يُفرض
عليه من حلول مُرّة وجائرة، لأنها حلول غير شاملة، حلول تتجاهل الخلافات الجوهرية.
فمن أجل إحلال سلام دائم، بات من الملحّ أن يتمّ ، قبل كلّ شيء وبصورة فورية،
انسحاب الجيش الذي اجتاح لبنان وانتهك سيادته، من كلّ التراب اللبناني.
ومن أجل إحلال سلام دائم، من الملحّ أن يُرفع قبل كل شيء وبصورة فورية، الحصار الذي
يضربه المعتدي على التراب اللبناني ، هذا الحصار الذي يشكّل في حدّ ذاته، خرقا
للائحة 1701/2006 لمجلس الأمن الأممي.
في مسعى البحث عن السلام الدائم، فإن تجاهل الاحتلال الأجنبي لمزارع شبعا و كفر
شوبا وتجاهل مصير آلاف المعتقلين اللبنانيين في زنزانات المُعتَدي، يعني تجاهل
الأسباب الجوهرية للنزاع الدامي الذي عاشه لبنان.
والسلام الدائم يقتضي أيضا تضميد ومداواة جراح لبنان، وإعادة بناء كلّ ما دُمٍّر
وخُرِّب، وفي هذا الصدد، فإن المجلس الشعبي الوطني يبارك ما أبدته الجزائر من
استعداد للإسهام في جهود إعادة إعمار لبنان ومواصلة تقديم المساعدة الإنسانية للشعب
اللّبناني الشقيق.
ومن صوب آخر، فإن المجلس الشعبي الوطني يندّد بالانتهاكات الخطيرة لكرامة الشعب
الفلسطيني، انتهاكات تفاقمت بسببها الظروف اللاّ إنسانية المفروضة عليه طوال عقود
من الزمن.
إن المجلس الشعبي الوطني يناشد الأسرة الدولية وكافة القوى المشغوفة بالسلام عبر
العالم للتحرّك بصورة عاجلة وملموسة وحازمة أمام خطورة الأحداث الحاصلة في هذه
المنطقة، والمطالبة بالإفراج الفوري عن رئيس المجلس الفلسطيني والنواب والمنتخبين
المحليّين الثماني والعشرين، والوزراء الأربعة والأمين العام للمجلس الفلسطيني
والموظفين السامين الآخرين الذين تمّ اعتقالهم والزّج بهم في السّجون.
أيتها السيدات، أيها السادة،
قبل أن أختم كلمتي هذه، بودّي أن أعرب عن تشكرات المجلس الشعبي الوطني للسيد رئيس
مجلس الأمة، والسيد رئيس الحكومة ولأعضاء طاقمه، وكذا لكافة ممثلي الأسرة الإعلامية
الذين شرّفوا النواب بحضورهم الكريم معنا.
أودّ أيضا أن أتوجّه بتمنياتي بالنجاح إلى النواب وأعضاء مجلس الأمة في العمل
البرلماني الذي ينتظرهم خلال هذه الدورة، وبالتوفيق والمثابرة إلى أعضاء الطاقم
الحكومي في أداء مهامهم.
بودّي كذلك أن أبارك مقدّما ما سيبذله رجال الإعلام من عمل في تغطية أشغال هذه
الدورة، ومن مجهود في إيصال أصداء نقاشاتنا التشريعية ووقائع النشاط البرلماني بصفة
عامة إلى أبناء وبنات وطننا، فمهمّة الإعلام التي يتولّون الاضطلاع بها هي جزء
أساسي من الممارسة الديمقراطية في بلادنا.
وعشية ذلك الاستحقاق السياسي الحاسم المتمثل في تعديل دستور الجمهورية، أودّ على
وجه الخصوص أن أشيد بشعبنا الشجاع، الموَحَّد، الصاّمد، هذا الشعب الذي يفتخر
مجلسنا بتمثيله.
أشكر لكم كرم الإصغاء والمتابعة، أيتها السيدات، أيها السادة.
تحيا الجزائر !
المجد والخلود لشهداء ثورة نوفمبر الأبرار.