خطأ
  • خطأ في تحميل التغذية الإخبارية

 

كلمة
 رئيس المجلس الشعبي الوطني

السيد سليمان شنين 

 بمناسبة اختتام الدروة البرلمانية

العادية 2019-2020

06 جويلية 2020

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيد رئيس مجلس الأمة بالنيابة،

السيد الوزير الأول،

السيدات والسادة الوزراء،

السيدة والسادة أعضاء مكتب مجلس الأمة،

السيد الرئيس الأول للمحكمة العليا،

السيدة رئيسة مجلس الدولة،

السيدات والسادة النواب،

أسرة الإعلام،

اسمحولي في البداية أن أرحب بكم في رحاب مجلسنا الموقر على مشاركتنا مراسم اختتام دورتنا البرلمانية العادية 2019-2020.

لقد كانت هذه الدورة مميزة في كل جوانبها، بالنظر إلى السياق الوطني والدولي الخاص والذي عرف أحداثا غير متوقعة، مما فرض علينا إلزامية التكيف وتحمل المسؤولية، رغم صعوبتها، فكانت فترة حرجة تمكن السيدات والسادة النواب أن يمارسوا خلالها وظيفتهم وفق مقتضيات الضمير والشعور بالمسؤولية والروح الوطنية.

عيد الاستقلال ورمزية استرجاع رفات المقاومين

أيتها السيدات، أيها السادة،

نلتقي اليوم في أجواء مفعمة بالوطنية والاعتزاز والفخر، وقد عشنا أيام مباركة احتفل خلالها شعبُنا بالذكرى 58 لعيد الاستقلال المتزامن أيضا مع عيد الشباب، والذي كان متميزا هذه السنة بكل المقاييس، حيث استرجعت بلادُنا رفات شهداء المقاومة الشعبية، وكانت الفرحة عارمة والحدث تاريخي بعودتهم الى الوطن ودفنهم في تراب أرض حلموا بتحريرها وضحوا بأنفسهم من أجلها، ليُعاد لهم جزء مما يستحقون بعد مائة وسبعين عاما وليبعثوا رسالة متجددة إلى كل أصحاب الحقوق أن لا يضيع حق وراءه مطالب وأن المقاومة ليست مرتبطة بحقبة من الزمن، بل هي ثقافة متوارثة جيل بعد جيل، يتغير مفهومها وفق خصائص المرحلة الزمنية، فنحن اليوم في مشروع بناء الجمهورية الجديدة وما يقتضيه ذلك من مقاومة للفساد والاستبداد والرؤية الأحادية وتكريس ثقافة المشاركة والحوار والتعاون والتأخي، مقاومة الأنانية والأحادية والتبعية والاستمرار في تجسيد وتثبيت مسار الاستماتة في السيادة الوطنية والاستقلال سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودبلوماسيا.

إن هذا التوجه لم ولن يرضي اللوبي الاستعماري و''أذياله'' المُستمر في مواقفه المخزية والمتطاولة على الأحرار أحفاد المجاهدين الشرفاء والمتعارضة مع كل قيم الإنسانية، وهي التي تزيد شعبنا إصراراً على مسار المطالبة بكل ما يمكنه أن يريح شهدائنا في جنة الخُلد وينصف ذاكرتنا التاريخية بفضل الله أولاً وجهود الوطنيين المخلصين في بلادنا.

مطالب الحراك ستكون بوصلة عمل جميع المؤسسات الدستورية

أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد واكبنا في هذه الدورة حراك شعبنا المبارك ومطالبه المشروعة في ضرورة تحقيق دولة القانون والحرية والعدالة والتغيير، دولة المؤسسات والسيادة الشعبية، دولة يحقق فيها الحياة الكريمة للمواطن، دولة تُنهي عهود من الجهوية والمحسوبية واللاقانون وتحقق فيها المساواة ويشعر المواطن بأنه السيد في وطنه وأن لا مستويات في المواطنة، وأن هذه المطالب كانت وستبقى هي البوصلة الحقيقية في مسار عمل المؤسسات الدستورية المختلفة، ومن بينها مجلسنا الموقر.

لقد ساهم مجلسنا في هذه المرحلة أيضا في الانحياز والانتصار الى أولوية التشبث بالمسار الدستوري، رغم كل الضغوطات، وإلى مسار اجراء الانتخابات الرئاسية التي كانت محطة مهمة وجوهرية أفرزت رئيسا منتخب شعبيا وفق منظومة قانونية جديدة كانت مطلبا لقوى المعارضة لفترة زمنية كبيرة، وقد بدأ رئيس الجمهورية، السيد عبدالمجيد تبون، وكله إرادة ورغبة سياسية واضحة في التكفل بكل الانشغالات الوطنية دون أي موازنات إلا خدمة الشعب والاستقرار والأمن والتنمية في البلاد، وقد عبرتُ مرات كثيرة، باسم نواب المجلس الشعبي الوطني، أن لهذه المؤسسة الدستورية إرادة للتعاون والانسجام مع باقي المؤسسات، كما أنها دوما مؤسسة تساهم في الحل والتهدئة، لا التأزيم والتعطيل.

كما لا يفوتني بهذه المناسبة أن أتوجه بالتحية والتقدير والعرفان إلى ما قام به ولازال يقوم به الجيش الوطني الشعبي وقيادته من جهد وتضحية والتزام وحرص على دماء الجزائريين، من جهة، والتمسك بالحلول الدستورية دون سواها والاستمرار في حماية أمن البلاد وحدودها، من جهة أخرى، فإلى المرابطين على الثغور كل الاحترام والتقدير، ولازالت قوافل الشهداء مستمرة خاصة في مكافحة الإرهاب، والتحية والتقدير لمختلف المؤسسات الأمنية التي تقوم بعمل مهني متميز في الحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما لا يفوتني أن أتوجه بالتحية الخاصة إلى قضاة الجمهورية لما يبذلونه من محاربة للفساد وفتح كل الملفات التي كانت في يوم ما ممنوعة أو محضورة، فالتحية لهم ولكل الشرفاء في بلادنا.

التدابير التي وجه رئيس الجمهورية بتطبيقها خففت من وطأة كورونا

أيتها السيدات، أيها السادة،

إن الوضع الاستثنائي والدقيق الذي واكبته هذه الدورة لم يثننا ولم يصرف عزائمنا عن إنجاز أعمالا وأشغالا مكثفة بالرغم من مستلزمات تقليص النشاطات الجماعية تطبيقا لإجراءات مكافحة جائحة كورونا، ما جعلنا نتكيف معها رغم الفراغ في منظومتنا القانونية في مثل هكذا حالات، ولا يفوتني أيضا أن أثمن عاليا ما يقوم به الجيش الأبيض من منتسبي قطاع الصحة وكذا الأسلاك النظامية بمختلف أنواعها من تضحيات جسام في مواجهة جائحة كورونا وقد كانوا في طليعة المتصديين لهذا الوباء والمخففين من آثاره، ونترحم جميعا على شهداء هذه الجائحة سواء من قطاع الصحة أو من مواطنينا الذين نحسبهم من الشهداء، فرحم الله الجميع وتقبلهم من الصالحين.

كما لا يفوتني أن نتذكر ونترحم على السادة النواب الذين كانوا وغيبتهم الموت خلال الدورة البرلمانية الحالية، وهم السادة أحمد بلوافي وعبد العزيز خمقاني وعبد القادر طيب الزغيمي، رحمهم الله تعالى وتقبلهم من الصالحين.

ولا يمكننا أن ننسى تثميننا عاليا للقرارات والإجراءات والتدابير التي بادر بها السيد رئيس الجمهورية وحرصت الحكومة على تطبيقها في تسيير أزمة كورونا، حيث ساهمت في التخفيف من وطأتها، سواء في تأمين التغطية الصحية، رغم كل النقائص، لجميع المواطنين أو في ضمان التموين بالسلع وأجور الموظفين وتفعيل إجراءات الحجر الصحي، بدون أن ننسى كذلك الهبة التضامنية الشعبية الكبيرة والتي كان مجلسنا الشعبي الوطني من السباقين في المساهمة فيها بنوابه وموظفيه.

ولم تتحجج رئاسة الجمهورية بواقع الوباء لتعطيل مسار الإصلاح السياسي، بل تحمل رئيس الجمهورية مسؤولية الدعوة إلى تعديل الدستور بعرض المشروع التمهيدي لتعديله للنقاش وفق إرادة واضحة في التعامل الإيجابي مع مقترحات القوى الوطنية المختلفة حتى تتمكن الجزائر من إعداد دستور للجمهورية بعيدا عن الشخصنة والظرفية والمزاجية، وهو ما يتطلع إليه عموم الشعب الجزائري، دون التنصل عن عناصر الهوية وقيم شعبنا الثابتة غير القابلة للتجاوز أو المناورة أو الابتزاز أو المتاجرة، وليتفرغ الجميع لبناء دولة حديثة ديمقراطية قوية بشرعيتها الشعبية وثقافتها الوطنية التوافقية، القائمة على المشاركة والتضامن وإعلاء شعار العلم وسلطان القانون.

حصيلة ثرية للمجلس

أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد شمل عملنا خلال هذه الدورة عديد الأنشطة، فعلى صعيد التشريع ناقش المجلس وصوت على ثمانية عشر (18) مشروع قانون، كان أهمها مشروع القانون العضوي المتعلق بالسلطة الوطنية للانتخابات، ومشروع القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، ومشروع القانون المنظم لنشاطات المحروقات، ومشروع القانون الأساسي العام للمستخدمين العسكريين، ومشروع قانون المالية لسنة 2020، ومشروع قانون المالية التكميلي لسنة 2020، ومشروع القانون المتعلق بالتنظيم الإقليمي للبلاد، ومشروع القانون المتضمن اعتماد 8 ماي يوما وطنيا للذاكرة، ومشاريع قوانين أخرى لا تقل أهمية عما ذكرت.

كما ناقش المجلس ووافق، خلال هذه الدورة، على مخطط عمل الحكومة، الذي حضي باهتمام السيدات والسادة النواب، إذ بلغ عدد تدخلاتهم 271 تدخلا سارت في مجملها في اتجاه تدعيم المسعى الوطني لبناء جمهورية جديدة، محذرين من تكرار الأخطاء والممارسات السلبية، ملفتين انتباه الحكومة الى معاناة المواطنين في مختلف الولايات وضرورة الإسراع في التكفل بها.

أما فيما يخص نشاط المجلس في جلساته العامة، فقد عقد خمسين (50) جلسة عامة، 31 منها لمناقشة مشاريع القوانين والتصويت عليها، و8 جلسات لمناقشة مخطط الحكومة، و6 جلسات لطرح الأسئلة الشفوية، كما تم لأول مرة في تاريخ مجلسنا تخصيص جلستين للفصل في طلبات رفع الحصانة.

من جهة أخرى، نظم المجلس الشعبي الوطني أياما برلمانية ودراسية حول مسائل ذات أهمية وطنية، أحدها خص بالدراسة جائحة كورونا وآثارها المختلفة على بلادنا، انتهى بإقرار توصيات تم تبليغها في حينها للجهات المعنية، ونظمت اللجان الدائمة جلسات استماع لأعضاء في الحكومة بلغ عددها ثلاث جلسات، كما نظمت أربع بعثات استعلامية، أما بخصوص النشاط الرقابي، فقد شهدت هذه الدورة إيداع 194 سؤالا شفويا وتمت برمجة 89 منها في جلسات علنية، أما عدد الأسئلة الكتابية فقد بلغ 1015 سؤالا.

وبخصوص النشاط الدولي، فقد حرص المجلس على تعزيز حضور الدبلوماسية البرلمانية في مختلف الأطر والمناسبات من خلال تعزيز التعاون الثنائي، وهي تشكل دعامة للدبلوماسية الوطنية في التفاعلات متعددة الأطراف، فعلى مستوى العلاقات الثنائية، يتم العمل عن طريق المجموعات البرلمانية المائة وسبعة (107) التي تم تـأسيسها على مستوى المجلس الشعبي الوطني وتبادل الزيارات والمشاركة العالية في الاجتماعات والدورات والمؤتمرات البرلمانية، الإقليمية والدولية، حيث بلغ مستوى النشاط 81 تفاعلا على الرغم من إلغاء أو تأجيل عدد كبير من الاجتماعات البرلمانية بسبب جائحة كورونا وتم تحويل القليل منها لاجتماعات افتراضية شارك المجلس الشعبي الوطني في سبعة منها بما في ذلك ثلاثة على مستوى اللجنة التحضيرية لقمة رؤساء البرلمانات الوطنية.

الديبلوماسية البرلمانية: منصة للمرافعة عن مقاربات الجزائر

أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد أستطاع مجلسنا الموقر المساهمة في تقاسم الأفكار والطروحات والرؤى الوطنية حول الأحداث التي مرت بها بلادنا، ما أقنع البرلمانات الاقليمية والاتحادات البرلمانية الدولية برفض مغالطات بعض نواب البرلمان الأوربي ومحاولاتهم عرقلة مسار الإصلاحات والتحولات، وجعل الجميع يدعم التحولات السياسية البناءة التي باشرتها بلادنا بداية من الانتخابات الرئاسية ليوم 12 ديسمبر 2019، إضافة إلى الحكمة في التعامل مع حراكنا المبارك وسلميته المبهرة ومهنية المؤسسات الأمنية في التعامل معه.

وقد ارتكزت الدبلوماسية البرلمانية على ثوابت سياستنا الخارجية وأولوياتها في هذه المرحلة والتي نؤكد بشأنها، مرة أخرى، أننا مع الحل السياسي السلمي في ليبيا وأن الجزائر تؤمن بالحل الليبي وبين الليبيين، وأن المساعي التي يقوم بها السيد رئيس الجمهورية واضحة لا لبس فيها ولا غموض لكافة القوى والأطراف الليبية وحتى الاقليمية والدولية خلاصتها أنه لا مفر من الحوار والمصالحة الداخلية والتوجه لبناء ليبيا جديدة تسع جميع أبنائها وتسترجع مكانتها في الساحة الإقليمية والدولية.

كما أننا ندافع على السلم والاستقرار والأمن في دول الساحل والصحراء وندعم كل الجهود الوطنية الصادقة في محاربة الارهاب وفق مقاربة واضحة المعالم أنتجتاتفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي سنة 2015، وستبقى مقاربتنا أقرب للواقع من خلال تقديم الدعم وموازاةً مع مكافحة الارهاب تلبية لمتطلبات التنمية في هذه الدول الشقيقة والجارة.

ورافع النواب في مختلف المحافل والفضاءات الدولية على ضرورة الحفاظ على سيادة الدول والحلول السلمية ورفض التدخل العسكري في الشؤون الداخلية للدول وأهمية الحوار في حل الأزمات.

كما تبقى فلسطين قضيتنا المركزية والتي علمتنا التجارب، وكان اخرها استرجاع رفاة شهداء المقاومة الشعبية، أنه لا يمكن أن تتجاوز حقوق الشعوب، فالحرية والاستقلال حتمية تاريخية وضرورة واقعية ومتطلب أساسي في السلم الدولي وسوف تستقل فلسطين مهما طال الزمن بإرادة شعبها المقاوم رغم أنف الجميع وبعاصمتها الأبدية القدس الشريف، وستتلاشى كل الطروحات والمبادرات التي تتجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني المقاوم، ويبقى النضال وصوت الشعوب هو السيد والمنتصر بإذن الله تعالى.

إننا لم ولن نسكت على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وضرورة التعجيل بتطبيق القرارات الأممية المدعومة بقرارات ولوائح الاتحاد الافريقي والقوى المناهضة للاستعمار، وسيبقى مجلسنا الموقر متمسك وداعم ومرافع عن القضية الصحراوية حتى ينال الشعب الصحراوي حقوقه كاملة غير منقوصة.

كما أنه من المفيد أن نذكر بمبادرة المجلس خلال هذه الدورة من خلال الاحتفال بالذكرى 31 لمعاهدة انشاء اتحاد المغرب العربي بقناعتنا بأهمية تفعيل هياكل الاتحاد بما فيها مجلس الشورى المغاربي نظرا لحيوية واستراتيجية بناء هذا الفضاء.

أيها السيدات، أيها السادة،

لا يفوتني أيضا، بهذه المناسبة، أن أتوجه بالتحية والشكر لكل السادة والسيدات النواب في مختلف الهياكل على ما بذلوه لتحقيق طموحات شعبنا واستمرارية دولتنا ومؤسساتها بعيدا عن الحزبية الضيقة، رغم كل الضغوطات والحملات والعراقيل من مختلف الأطراف، وأخص بالذكر السادة رؤساء المجموعات البرلمانية وأعضاء مكتب المجلس لما لمست منهم من تعاون وحرص على إنجاح هذه الدورة البرلمانية في مختلف النشاطات والأعمال، وقد عملوا كل ما في وسعهم لتحديث إدارة المجلس والمرافق الإدارية وفق مقاربة شاملة لتطويرها وترقيتها وحل كل الإشكالات المالية وبقايا ملفات سُويت بشكل نهائي، بما فيها تسوية الوضعية الإدارية لعدد معتبر من الموظفين ولعدد من الأعوان المتعاقدين بعد المصادقة على تنظيم جديد للمصالح الإدارية للمجلس الشعبي الوطني، كما أتوجه بالشكر إلى كل موظفي وإطارات المجلس لما يبذلونه من جهد وتضحية وعمل وتفان لخدمة المؤسسة التشريعية وتقديم كل التسهيلات من أجل نجاح عملنا، والشكر موصول إلى وسائل الإعلام الوطني التي رافقتنا بالتغطية وبالتثمين، أحيانا، وبالتقويم، أحيانا أخرى.

وأتقدم إليكم، في ختام هذه الجلسة، بالشكر على مقاسمتنا فعاليات اختتام الدورة البرلمانية، وأتمنى للجميع التوفيق والنجاح، سائلا المولى عز وجل أن يُسدد خطانا إلى ما فيه خير بلادنا وأمنها واستقرارها وتطورها، ونرفع دعوانا إلى العلي القدير أن يرفع عنا هذا الوباء، نحن وسائر البشرية.

شكرا لكم جميعا على كرم الإصغاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

footer-apn