خطأ
  • خطأ في تحميل التغذية الإخبارية

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية

البرلمان الجزائري

كلمة السيد رئيس المجلس الشعبي الوطني، الأستاذ سليمان شنين، في الدورة 141 للاتحاد البرلماني الدولي

بلغراد (صربيا)، أكتوبر 2019

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

السيدة رئيسة الاتحاد البرلماني الدولي،

السيدة رئيسة البرلمان الصربي،

السيدات والسادة الزملاء المحترمين،

يطيب لي أن أكون معكم اليوم في أرض دولة صربيا الصديقة التي تربطنا بها علاقات تاريخية مميزة، للمشاركة في فعاليات الدورة 141 للاتحاد البرلماني الدولي.

واسمحولي قبل كل شيء بتقديم عبارات الشكر والعرفان للسلطات الصربية على حفاوة الاستقبال الذي خصت بها الوفد البرلماني الذي أتشرف بترأسه، وكذا رئيسة ومسؤولي هياكل وإدارة الاتحاد البرلماني الدولي على الترحيب وحسن التنظيم.

يجتمع الاتحاد البرلماني خلال الدورة الحالية حول موضوع '' تعزيز القانون الدولي: الأدوار والآليات البرلمانية، ومساهمة التعاون الإقليمي ''، وهو ما يمنح لي وللوفد الذي أترأسه فرصة لأن أعرض على مسامعكم بإيجاز دور البرلمان الجزائري في مجال ضمان تطبيق قواعد القانون الدولي وتكريس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وتجسيدها وكذا بلورة الأهداف المتوخاة من مصادقة الدولة الجزائرية، وفقا لأحكام دستورها، على مختلف الاتفاقيات الدولية، العالمية والإقليمية.

تصبو أحكام القانون الدولي إلى تحقيق أهداف نبيلة تتمثل في ضمان رفاه الانسان وتكريس وتجسيد حقوقه وحرياته الأساسية، وضمان حقوق الشعوب مهما كانت درجة تطورها في إطار مبدأ المساواة الذي تكرسه كل المواثيق الدولية، التي تُلزم الدول، بمجرد المصادقة أو الانضمام، إما بتطبيق هذه الأحكام مباشرة وإدراجها في المنظومة القانونية الوطنية، أو بتكييف التشريع الوطني معها، بما يمنح للبرلمان دورامحوريا لا بديل عنه في تطبيق وتعزيز القانون الدولي.

إلا أن التحولات الجيوستراتيجية العميقة التي يعرفها العالم اليوم  أفرزت تصورات غير متطابقة حول التفعيل العملي للقانون الدولي، والاستخدام الانتقائي لقواعده خاصة عندما يتعلق الأمر بضرورة احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واللجوء الانفرادي للقوة المسلحة كأداة لتنفيذ سياساتها الخارجية أو فرض العقوبات خارج إجماع مجلس الأمن وبشكل يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة، وهذا ما يستدعي من دولنا وبرلماناتنا واتحاداتنا البرلمانية الجهوية والدولية التفكير والعمل، في مختلف الأطر الدبلوماسية متعددة الأطراف،  من اجل القيام بإصلاحات عميقة في منظمات الحكم  العالمي لتكون أكثر تمثيلية وتوازنا وقدرة على إنتاج مخرجات قرارية تضمن الأمن والسلم العالميين وتحافظ للدول كينونتها و سيادتها وللشعوب كرامتها وللمواطنين حقوقهم وانسانيتهم.

لقد أقر الدستور الجزائري للبرلمان دورا مهما ومحوريا في مجال إرساء وتعزيز الديمقراطية ودولة القانون، وهما هدفان رئيسيان للقانون الدولي، وكرس أيضا سمو القانون الدولي على التشريع الوطني.

والجدير بالذكر أن الجزائر بادرت، مباشرة بعد استرجاعها لسيادتها، إلى دسترة انضمامها للإعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 وإلى كل منظمة دولية تستجيب لمصالح الشعب الجزائري، اقتناعا منها بضرورة التعاون الدولي، وكان ذلك بموجب المادة 11 من دستور 1963، كما أعلنت بموجب دستورها الحالي تبنيها مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه وأكدت عملها من أجل دعم التعاون الدولي وتنمية العلاقات الودية بين الدول على أساس المساواة والمصلحة المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ولم تتوقف الدولة الجزائرية عند دسترة المبادئ الأساسية لمنظمة الأمم المتحدة والقواعد السامية للقانون الدولي، بل تعدته، إثر مصادقتها على أغلبية المواثيق والاتفاقياتوالصكوك الدولية المتعلقة بحماية وترقية حقوق الانسان، إلى تكريس وإقرار حقوق وحريات الانسان الأساسية بموجب ما لا يقل على 40 مادة في الدستور، والجزائر من بين الدول القليلة جدا التي لجأت إلى دسترة حقوق الانسان، معتمدة بذلك معايير القانون الدولي لحقوق الانسان.

وفي هذا الإطار، يضطلع البرلمان الجزائري بوضع تشريعات تتطابق أحكامها مع القانون الدولي أو تتكيف معه، ويتعلق الأمر بكل النصوص التي تضمن تجسيد حقوق الإنسان وحرياته، بدءا من ضمان الحق في الحياة والكرامة والسلامة الجسدية والحق في التنمية وفي البيئة السليمة والحقوق السياسية والدينية، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية للجزائر.

لقد عززت الإصلاحات الدستورية في الجزائر مكانة السلطة التشريعية ومنحت حقوقا واسعة للمعارضة السياسية التي أصبحت لها أكثر حرية في المبادرة والقدرة على التأثير على عمليات التشريع والرقابة السياسية والمشاركة في الدبلوماسية البرلمانية، وقد تجسد ذلك من خلال ترأسي، كنائب من المعارضة، للغرفة السفلى للبرلمان كسابقة أولى في تاريخ الجزائر.

      عَمل البرلمان الجزائري على إثراء المنظومة القانونية الوطنية في مختلف المجالات بما في ذلك ترسيخ الديمقراطية، التنمية المستدامة، إرساء قواعد وآليات الممارسة الفعلية للحقوق والحريات، وضمان مشاركة المجتمع المدني في مختلف جوانب العمل السياسي، ترقية منطق التساوي في الفرص، الوقاية من الفساد ومكافحته، مكافحة الإرهاب والجرائم ذات الصلة والوقاية منهما والحفاظ على البيئة، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية للجزائر الناجمة عن المصادقة على مختلف الاتفاقيات الأممية والافريقية والعربية، لاسيما المتعلقة بالديمقراطية والانتخابات والحكامة، ومكافحة الفساد ومكافحة الإرهاب، إلخ.

كما ساهم البرلمان الجزائري في وضع نظام قانوني يضمن حق مشاركة المواطنين في العمل السياسي، من خلال التصويت، منذ أسابيع قليلة، على قانونين عضويين:

-     يتمثل الأول في تعديل القانون العضوي المتعلق بالنظام الانتخابي، وتم بموجبه إدراج عدد من التعديلات الضامنة لديمقراطية ونزاهة وشفافية الانتخابات، تماشيا مع المعايير المعتمدة دوليا،

-     ويتمثل الثاني في إنشاء السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، بما يضمن الانطلاق في مرحلة جديدة ضمن حركية ديمقراطية وطنية من خلال التنصيص على ضمانات غير مسبوقة للفعل الانتخابي الذي يقدس صوت المواطن ويجعله مصدرا وحيدا للشرعية السياسية، تجسيدا للمبدأ الدستوري القاضي بأن الشعب هو مصدر لكل سلطة.

ويدخل هاذان القانونان العضويان في إطار التجسيد الفعلي لمطالب الحراك الشعبي الذي أبهر العالم بسلميته، وتجدر الإشارة إلى أن الدولة، تطبيقا لأحكام الدستور وعملا بتعهداتها الدولية، عملت على مرافقة وتأطير هذا الحراك السلمي، وكان لمؤسسات الدولة دورا محوريا في حماية ومرافقة الشعب في تحقيق مطالبه وعدم السماح بأي نوع من الاختراقات ومناورات التعفين والتأزيم  ولازال بعض المواطنين يتظاهرون منذ سبعة اشهر دون أي قطرة دم او صدام مع قوات الامن، كما نقلت مطالب المواطنين إلى ممثلي الشعب في البرلمان، الذي استجاب سريعا بسن هذين النصين التشريعيين والتي تَضمَنُ أحكامهما صحة ونزاهة وشفافية انتخاب رئيس الجمهورية يوم 12 ديسمبر القادم.

الجزائر رافعت وترافع دوما لمبادئ وأهداف القانون الدولي والمعايير الأساسية لحقوق الانسان والممارسات الديمقراطية الحقيقية، ولا يمكنها أن تحيد عن أسس ثورتها العظيمة التي كان منطلقها تحرير الانسان وتقرير الشعوب لمصيرها.

في النهاية، اسمحوا لي أن أتمنى التوفيق والنجاح لأعمال الدورة 141 للاتحاد البرلماني بما يخدم تطلعات الإنسانية للسلم والأمن والرفاه.

شكرا لكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

footer-apn